يُعدُّ مفهوم قابلية التوسُّع من المبادئ الجوهرية في تقنية البلوكتشين، ويُشير إلى قدرة شبكة البلوكتشين
على معالجة عدد متزايد من المعاملات بكفاءة. ومع توسُّع تطبيقات البلوكتشين، بما يشمل
التمويل اللامركزي (DeFi)، والتطبيقات اللامركزيّة (dApps)، والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)،
فإنَّ الطلب على معالجة المعاملات يزداد باستمرار. ويُعدُّ تحقيق قابلية التوسُّع مع الحفاظ على الأمان والطبيعة اللامركزية
من التحديات الكبرى في تطوير تقنيات البلوكتشين. وتُشكِّل مشاكل قابلية التوسُّع عقبة رئيسة أمام العديد من مشاريع البلوكتشين،
لا سيَّما لشبكتي البيتكوين (BTC) والإيثيريوم (ETH)، حيث تحدُّ الطبيعة اللامركزيّة لشبكات البلوكتشين من
الطبقة الأولى من سرعة تنفيذ المعاملات ومعدل إنجازها.
ويُعدُّ تحسين قابلية التوسُّع من المهام الجوهرية لمستقبل تقنية البلوكتشين. وللتعامُل مع هذا التحدِّي، اقترح مجتمع البلوكتشين عددًا من الحلول، تشمل بالدرجة الأولى حلول التوسُّع ضمن شبكة البلوكتشين الرئيسية نفسها (on-chain) مثل تحسين آليات الإجماع وحلول تطوير الأداء وتجزئة الشبكة (sharding)، إلى جانب حلول التوسُّع خارج الشبكة الرئيسية (off-chain) مثل تقنيات الطبقة الثانية (Layer 2) والشبكات الجانبية (sidechains).
الجوانب الرئيسة لمفهوم قابلية التوسُّع
معدل إنجاز المعاملات
يُعدّ معدل إنجاز المعاملات من المؤشرات الأساسية على التوسُّع، ويُقاس غالبًا
بعدد المعاملات في الثانية (TPS). وتُواجه شبكات البلوكتشين التقليدية من الطبقة الأولى، مثل البيتكوين والإيثيريوم، انخفاضًا في TPS
خلال فترات الطلب المرتفع، ممَّا يؤدي إلى تأخُّر في معالجة المعاملات وارتفاع في الرسوم. وهذا ما يُعزِّز الحاجة إلى
زيادة معدل الإنجاز وتسريع تنفيذ المعاملات.
زمن تأكيد المعاملة
يُشير زمن تأكيد المعاملة إلى الوقت اللازم لتقديم المعاملة (إرسالها)
والتحقُّق منها من قِبل الشبكة، ومن ثم إضافتها إلى سجل البلوكتشين. وفي الشبكات ذات قابلية التوسُّع المنخفضة،
قد يزداد وقت التأكيد على نحوٍ ملحوظ مع تزايد عدد المستخدمين والمعاملات، ممَّا يؤثِّر سلبًا على
تجربة المستخدم، خاصَّةً في المعاملات المالية الحسَّاسة زمنيًا.
اللامركزيّة والأمان
كثيرًا ما يتعارض مفهوم قابلية التوسُّع مع كل من اللامركزية والأمان، وهو ما يُعرف باسم
مُعضلة البلوكتشين الثلاثية، حيث يصعب تحقيق التوسُّع دون التضحية باللامركزية
أو الأمان. فكلما كانت الشبكة أكثر لامركزيّة، زاد عدد العُقد المُشاركة في آلية الإجماع،
ممَّا قد يُبطئ من تنفيذ المعاملات. ومن ثمَّ، يتطلَّب تحقيق توَسُّع أكبر إيجاد توازن دقيق بين هذه الجوانب الثلاثة.
إدارة الرسوم
مع تزايد أحجام المعاملات على شبكات البلوكتشين، ترتفع رسوم المعاملات (المعروفة
أيضًا باسم رسوم الغاز)، لا سيّما في فترات ازدحام الشبكة. وقد يؤدِّي ارتفاع الرسوم إلى الإضرار
بتجربة المستخدم، خاصةً في تطبيقات التمويل اللامركزي. ومن خلال تحسين قابلية التوسُّع، يمكن لشبكات البلوكتشين تقليل
الازدحام وخفض تكاليف المعاملات على المستخدمين.
التحديات والحلول المتعلِّقة بقابلية التوسُّع
حلول قابلية التوسُّع ضمن البلوكتشين الرئيسية (On-chain)
تُعرف حلول قابلية التوسُّع ضمن البلوكتشين الرئيسية أيضًا باسم حلول التوسُّع من الطبقة الأولى، وتركِّز على تحسين
بروتوكول البلوكتشين نفسها لتعزيز قابلية التوسُّع. ومن أبرز الحلول ضمن البلوكتشين الرئيسية:
تحسين آليات الإجماع: يُسهم اعتماد خوارزميات إجماع أكثر كفاءة من قبيل الانتقال
من آلية إثبات العمل (PoW) إلى آلية إثبات الحصَّة (PoS)، في تقليل الحمل من حيث عمليات الحوسبة واستهلاك
الطاقة ضمن الشبكة، مع تسريع عمليات تدقيق المعاملات. فعلى سبيل المثال، تعمل شبكة إيثيريوم حاليًا على الانتقال إلى آلية PoS
بهدف تعزيز قدرتها على معالجة المعاملات وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.
تجزئة الشبكة (Sharding): تقوم فكرة التجزئة على تقسيم شبكة البلوكتشين إلى وحدات أصغر يُدعى كل منها «جزء من الشبكة» (shard)، بحيث تُعالَج المعاملات
بالتوازي بين هذه الأجزاء. ويُؤدِّي ذلك إلى زيادة كبيرة في قدرة الشبكة على معالجة عدد كبير من المعاملات في الوقت نفسه، وتحسين
معدل الإنجاز. وتُعد التجزئة أحد الحلول المحورية في تحديث Ethereum 2.0 لتعزيز قابليتها للتوسُّع.
حلول قابلية التوسُّع خارج الشبكة الرئيسية (Off-chain)
تُعرف حلول قابلية التوسُّع خارج الشبكة الرئيسية أيضًا باسم حلول التوسُّع من الطبقة الثانية، وتعمل على تقليل العبء الواقع على الشبكة الرئيسية
من خلال معالجة المعاملات خارج الشبكة، ممَّا يُسهم في تحسين قابلية توسُّعها. ومن أبرز الحلول خارج الشبكة الرئيسية:
القنوات المرحلية: تُمكِّن القنوات المرحلية المستخدمين من تنفيذ عدَّة معاملات خارج الشبكة الرئيسية، بحيث تُرسَل النتيجة النهائية فقط
إلى البلوكتشين. وتُعد شبكة البرق (Lightning Network) الخاصة ببيتكوين، وشبكة Raiden الخاصة بإيثيريوم، من أبرز أمثلة حلول القنوات المرحلية.
التجميع والتنفيذ خارج الشبكة (Rollups): تُجمِّع هذه الحلول عددًا من المعاملات وتُنفِّذها خارج الشبكة الرئيسية، ثم تُرسَل إلى البلوكتشين من الطبقة الأولى، ممَّا يقلِّل من عدد
المعاملات التي تتم ضمن الشبكة الرئيسية مباشرةً. وتأتي هذه الحلول في شكلين رئيسيين: حلول التجميع والتنفيذ خارج الشبكة بافتراض الصحَّة (Optimistic Rollups)، وحلول التجميع والتنفيذ خارج الشبكة المعتمِدة على الإثبات دون الكشف (ZK Rollups)،
وكلاهما يُعد من الركائز الأساسية ضمن نظام إيثيريوم المُتكامِل لتعزيز قابلية التوسُّع.
الشبكات الجانبية: هي شبكات بلوكتشين مستقلة تُعالِج المعاملات خارج الشبكة الرئيسية، مع إتاحة إمكانية تحويل الأصول
بين الشبكتين. وتُعد منصَّتا Polygon وxDai من أبرز الأمثلة على حلول الشبكات الجانبية،
والتي تُسهم في تخفيف الازدحام عن شبكة إيثيريوم وتحسين سرعة المعاملات وقابلية التوسُّع.
الآثار الرئيسة لقابلية التوسُّع
تمكين التطبيقات واسعة النطاق
تُحدِّد مدى قابلية التوسُّع في البلوكتشين قدرتها على دعم التطبيقات واسعة النطاق.
ومع انتشار تطبيقات DeFi وNFTs وdApps، تواجه الشبكات طلبًا متزايدًا على تحقيق معدلات عالية من إنجاز المعاملات
وانخفاض التأخير. ومن خلال تحسين قابلية التوسُّع، تصبح منصات البلوكتشين قادرة على التعامل مع التطبيقات ذات الاستخدام المُكثَّف ودعم
ملايين المستخدمين في آنٍ واحد.
تحسين تجربة المستخدم
يُسهم تعزيز قابلية التوسُّع في تمكين المستخدمين من الاستفادة من سرعات أعلى للمعاملات، ورسوم أقل،
وتجربة استخدام أكثر سلاسة. وتتجلّى أهمية ذلك على وجه الخصوص في التطبيقات التي تتطلَّب إنجاز معاملات سريعة عالية الوتيرة، مثل تطبيقات DeFi. أمَّا في حال عدم كفاية قابلية التوسُّع،
فقد يواجه المستخدمون تأخيرات وازدحامًا ورسومًا مرتفعة، ممَّا يُقيِّد مدى اعتماد تقنيات البلوكتشين.
خفض تكاليف الشبكة
من خلال اعتماد حلول توسُّع أكثر كفاءة، يمكن لشبكات البلوكتشين تقليل التكاليف الإجمالية،
لا سيّما رسوم المعاملات. وهو ما يُعد أمرًا بالغ الأهمية في حالات الاستخدام المتنامية مثل DeFi وNFTs. ومن خلال تقليل عدد المعاملات التي تُنفَّذ على الشبكة الرئيسية مباشرةً
يتمكَّن المستخدمون من إجراء معاملات أسرع وبتكلفة أقل.
تعزيز استدامة الشبكة
يُعد تحسين قابلية التوسُّع عاملًا محوريًا في تعزيز الاستدامة طويلة الأمد لشبكات
البلوكتشين. فزيادة الكفاءة وتقليل استهلاك الطاقة وتحسين استغلال الموارد، تُسهم مُجتمعةً في بناء
نظام بلوكتشين مُتكامِل صديق للبيئة. ويكتسب هذا الأمر أهميةً خاصَّة في المشاريع التي تخضع لمراجعات دقيقة بشأن
معدلات استهلاك الطاقة، مثل شبكة إيثيريوم.
لماذا تُعد قابلية التوسُّع ضرورية لنظام البلوكتشين المُتكامِل؟
تُعد قابلية التوسُّع واحدة من أبرز التحديات في تطوير تقنية البلوكتشين، وهي العامل الحاسم في تحديد قدرة هذه التقنية على دعم المستخدمين والتطبيقات
على نطاقٍ واسع. وفي مجالات مثل DeFi وdApps والحوكمة اللامركزيّة، يُعدُّ حل مشكلات التوسُّع أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق
اعتماد عالمي لتقنيات لبلوكتشين. ومن خلال الدمج بين حلول الطبقة الأولى وحلول الطبقة الثانية، تتمكَّن مشاريع البلوكتشين من تلبية المتطلبات المتزايدة لتحقيق اللامركزيّة
والأمان وقابلية التوسُّع في آنٍ واحد، وهو ما يُعزِّز بدوره من انتشار تقنيات البلوكتشين على نطاق واسع.
الخُلاصة
تُعد قابلية التوسُّع عاملًا جوهريًا في تحديد أداء شبكة البلوكتشين وتجربة المستخدم. ومن خلال اعتماد تقنيات التوسُّع ضمن الشبكة الرئيسية
وخارجها، تتمكَّن مشاريع البلوكتشين من تعزيز قدراتها على معالجة المعاملات، وتقليل الرسوم، ودعم التطبيقات
واسعة النطاق. سواءٌ من خلال تجزئة الشبكة أو حلول التجميع والتنفيذ خارج الشبكة أو القنوات المرحلية، فإن حلول التوسُّع تُمثِّل الأساس الذي تُبنى عليه تطبيقات
المستقبل اللامركزي. وفي هذا الصدد، تُوفِّر منصَّة HashKey Global بيئة رائدة لتداول العملات الرقمية، مُساعدةً المستخدمين على استكشاف المشاريع ذات قابلية التوسُّع العالية
والمشاركة فيها.
تعليقات
لا توجد تعليقات
الرجاء تسجيل الدخول لترك تعليق.